بقلم: الدكتورة لينه الحمصي
احمرّ وجه الأم خجلاً، وتلكأت وفأفأت، وتبعثرت الكلمات على شفتيها، وهي تبحث عن جواب لذلك السؤال البريء المفاجئ:
- ماما، ليش نحنا حرام علينا نسب ونلعن ونكذب، وإنت معليش تقولي شومابدك؟
هل هذا معقول؟ أيمكن أن يصدر سؤال كهذا من بنت لم تتجاوز السادسة من عمرها؟
وكيف للأم أن تجيب ابنتها عن هذا السؤال، وقد كانت قبل لحظات، تعطيها درساً في الأخلاق، مردفة إياه بذلك التهديد المعهود، الذي تستخدمه أغلب الأمهات استخداماً سيئاً:
- لا تسبي وتكذبي, وإلا فالله بدّو يحرقك بالنار.
لقد وقع هذا السؤال على الأم موقعاً جعلها تتخبط خبط عشواء، فلا تحرِ معه جواباً، إلا أنها ما لبثت أن استجمعت شتات أفكارها، وافترّ ثغرها عن ابتسامة مصطنعة، وأجابت ابنتها الصغيرة بقولها:
- وقت بتكبري افعلي شو ما بدك.
وظنت المسكينة أنها بهذا قد وجدت -على الأقل- مخرجاً لا بأس به، من ذلك المأزق الحرج، ولم تكن تدري الأثر السيء الذي سيتركه هذا الجواب في تشويه صورة الفطرة السليمة في ابنتها، ليحل محلّه الغش والتلوّن والخداع….
ولم تكن تعلم أنها بهذا تنقلب إلى مدرسة سيئة لأطفالها، عوضاً عن أن تكون خير قدوة وأحسن مثال….
وما أصدق قول الشاعر حليم دمّوس إذ يقول:
وليس النَّبتُ ينبت في جنانٍ كمثل النَّبتِ ينبتُ في الفلاةِ
وهل يُرجى لأطفالٍ كمــالٌ إذا ارتضعوا ثديّ الناقصاتِ؟
وليس هذا الحوار الساخن، الذي جرى أمام ناظريّ، واسترعى انتباهي، بالمثال الوحيد الذي يطرح على ساحة البحث وللأسف…. بل حدّث ولا حرج، عن الأمهات اللواتي يعكفن على برامج الستلايت الرديئة، وبمرأى من أطفالهن ومسمع منهن، بحجة أنهن قد تجاوزن سن الخطر….، وينسين أو يتناسين أن الأفلام اللاأخلاقية ليست خطراً على المراهقين فقط، بل هي سم قاتل لكل من تسوّل له نفسه الاقتراب منها، إضافة إلى ما في هذه الأفلام من مضيعة للوقت الثمين وهدر له…. وكم منهن من يلقي على أبنائه دروساً في أهمية الوقت والاستفادة منه في أعمال ذات بال، ولا تألو جهداً في الاستشهاد بالمثل الشائع: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك…، ثم هي بعد ذلك لا هم لها - في أحسن الأحوال - إلا الكوي والطبخ ونظافة البيت والأولاد…، أما ما تبقى من وقتها فمستغرق في الصبحيات والمسويات، والحديث على الهاتف مع الصويحبات، عن آخر صرعات الموضة، وأحدث التمثيليات والمسلسلات، وأجمل ما يذاع ويصوّر من الأغاني، التي لم يكتف مخرجوها بالصوت حتى أدمجوها بالصور الخليعة، وعن الممثلة التي تزوجت بمن يصغرها بعشرات السنوات، وتلك التي طلّقت، وأخرى التي انتحرت…. أما ما يجري على الساحة الدولية والداخلية من أحداث جسام، وما يطرح على ساحة البحث من ثقافات إسلاميّة وفلسفية واجتماعية وسياسية، فهي منه براء براءة الذئب من دم يوسف، إذ مالها ولهذا الذي يزيد عليها همومها، ويعكّر عليها صفوها، والذي يزيد الأمر سوءاً أنها قد تكون من حملة الشهادات، وتظن نفسها أنها بهذا قد أنجزت ما طلب إليها، وهذا يرضي غرورها ويكفيها فخراً، فهي قانعة النفس، مثلجة الصدر، وخصوصاً عندما تنظر إلى شهادتها المعلقة على جدار الغرفة، وكأنها تجهل أن قيمة الإنسان بعلمه الذي يحمله في صدره، لا في شهادته التي تصبح من المنسيات على مر













