الخروج من سمرقند

تشرين الثاني 17th, 2007 كتبها samar نشر في , قصص قصيرة

 إنها لقصة أغرب من الخيال قد تبدو لقارئها أنها من نسج خيال كاتبها… ولكنها مذكورة في كتب التاريخ وواقعية وتمثل سماحة الإسلام وعدالته…

كانت الشمس تريق أشعتها الصفراء الحارقة فوق الوهاد والسهول والجبال…، وهناك من بعيد لاحت أطياف قادمة من قلب الصحراء الملتهبة، وقد ألقت عليهم الشمس من ظلالها المشتعلة، فبدت وكأنها سهام تنقذف من باطن الأرض إلى ظاهرها ..

واقتربت الأطياف رويداً رويداً…، وبدت معالمها وتوضّحت…

إنها لعشرة من الأشخاص، يغذّون السير على إبلهم بهمة ونشاط…، لا يعيقهم حرّ الشمس، التي بلغت أوجها في هذا الشهر الصيفي "تموز"، ولا يعرقل مسيرتهم تعب أو إعياء أو نصب…، رغم بعد الشقّة من سمرقند بلادهم إلى دمشق من بلاد الشام…

إنهم على ما يبدو يسابقون الخطا، ويعدون الليالي والأيام للوصول إلى دمشق…

ذلك أنهم يطمحون للقاء خليفة المسلمين، "عمر بن عبد العزيز"…، ليعرضوا عليه شكواهم، التي غصّت بها حلوقهم منذ ثماني سنوات …

وتنهّد "غوزك" رئيس الوفد تنهيدة حارقة، وهو يتذكر اليوم الذي استسلم فيه أهل سمرقند أمام المسلمين، بعد حصار طويل، أنهك أهلها،  فلم يجدوا خيراً من أن يمضوا عقد صلح مع قائد المسلمين، "قتيبة بن مسلم الباهلي"، على أن يترك ملك سمرقند حكمها للمسلمين، ويرحل إلى بلد أخرى… وأن يدفعوا للمسلمين ضريبة سنوية تسمى بالجزية، يدفعها كل ذكر بالغ عاقل من أهل سمرقند، الأغنياء منهم أربعة دنانير، والمتوسطو الحال دينارين، والفقراء المكتسبون دينارًا واحداً…، ذلك مقابل بقائهم على المجوسية دينهم الذي شبّوا عليه، ومقابل حماية المسلمين لهم أيضاً ضد أي خطر خارجي يواجههم، ويهدّد أمنهم وسلامتهم…

وغمغم "غوزك" بأسى:

أنا لا يهمّني إن كانوا رحماء أو غير رحماء …، فالحرية شيء ثمين…ثمين جداً، لا يعادلها شيء آخر..

ولاحت بذاكرة "غوزك" ذكريات وصور جميلة، عكّرت عليه أحلامه النشوانة بالحرية… نعم…، تذكر جيراناً وأصهاراً له مسلمين، عاش معهم في الثماني السنوات، التي مضت أحلى ليالي العمر، ربما لم يشعر بهذه السعادة، وبهذه العاطفة الجياشة، وبتلك العلاقة المتينة من قبل في علاقته مع أقرب المقربين له من بني جنسه ودينه…

ولكن …، مهما فعلوا، فهم غرباء عنا، غرباء في دينهم، وفي عرقهم، وفي نسبهم…، ولن نسمح لغريب أن يحكمنا، مهما كان أمره، وأيّاً بلغت عدالته.

 هكذا كلّم "غوزك" نفسه، وقد تألّق وجهه بشراً، عندما رأى مشارف دمشق تلوح من بعيد…

وطارت روحه تسبقه إلى دار الخلافة…، حيث يقيم الخليفة العادل "عمر ابن عبد العزيز"، الذي وصلت أخبار عدله ورأفته وتواضعه إلى سمرقند…وأخذ يتخيل ذلك الخليفة، الذي سمعوا عنه الكثير الكثير…

وردّد "غوزك" في نفسه:

وأخيراً…، وبعد ثماني سنوات من الانتظار سيأتي الفرج، لا ريب أننا سنجد في حمى الخليفة نصراً وعوناً…

وطافت بمخيلته قصة رويت له عن ذاك الخليفة مع واليه على الكوفة، "زيد ابن عبد الرحمن"، حين كتب إلى الخليفة، يذكر إليه أنه قد اجتمعت عنده أموال عظيمة تفوق حاجة المسلمين في الكوفة…، فكتب إليه "عمر" قائلاً: "قوِّ أهل الذمة(1) وأغنهم".

وومضت عينا "غوزك"، وشعر باقتراب النصر، وهو يتذكر أيضاً ما يروى له عن وصاية "عمر بن عبد العزيز" لولاته جميعهم بأهل الذمة من مجوس ويهود ومسيحيين خيراً…

وأمام هذه الذكريات السريعة الجميلة ، كان "غوزك" يشعر براية الحرية البيضاء، تقترب أكثر وأكثر، لتعيد إليه حماسه في السعي لتحرير بلاده الحبيبة…

ولم يقطع على "غوزك" أحلامه السعيدة هذه، سوى صوت صاحبه يصيح بفرح، وهو يشير بيده إلى الأفق البعيد:

ها هي دمشق يا رفاق، انظروا إليها، كم تبدو جميلة رائعة…!!

لم يسمع "غوزك" صيحات رفاقه ولا تعليقاتهم…، بل كان مأخوذاً بمنظر المآذن الخضراء العالية تعانق قبة السماء …، وبيوت دمشق وشوارعها، وهي تحيط بها في سياج دائري، وقد صبغتها شمس الغروب بحمرة رائعة، فبدت وكأنها ورود حمراء، تزيّن حديقة غنّاء…

وفجأة شعر"غوزك" بشيء من القلق يسيطر عليه…

وبدأت الأفكار المتضاربة تغزو عقله، فتضيّع عليه فرحة الوصول…، وتوالت الأسئلة على ذهنه المكدود…

ترى هل سيلقى وفد سمرقند من الخليفة أذناً صاغية؟؟

وهل سيحكم الخليفة بخروج المسلمين من سمرقند…؟؟

وعلى فرض أن الخليفة سيحكم لهم بخروج المسلمين من سمرقند، هل سيطيع جيش المسلمين وتجار المسلمين خليفتهم في هذا، فيخرجون من سمرقند بعد أن عانوا ما عانوا في فتحها، وبعد أن أمضوا فيها ثماني سنوات، وصار لهم فيها بيوت وزوجات وأولاد، وتجارات وأملاك…؟؟

وعلى فرض أنهم أطاعوا خليفتهم، وخرجوا من سمرقند، هل سيكون في هذا الخروج نصر حقيقي لأهل سمرقند…، أم أن خروجهم سيفسد على السمرقنديين بعض ما ألفوه خلال ثماني سنوات من العشرة الحسنة لهؤلاء المسلمين، الذين لم يروا منهم إلا كلّ ما يسّر ويفيد…؟؟

أسئلة كثيرة…، لم يجد "غوزك" لها جواباً…

وأغمض "غوزك" عينيه، ويداه ممسكتان بخطام ناقته بشدة، وهما ترتجفان، تحت ثقل هذه الأفكار المتلاطمة، التي أفسدت عليه متعة الحلم بالحرية…

وشعر بتلك الراية البيضاء، التي كانت ترفرف قبل قليل أمام عينييه ناصعة خفاقة، تغوص الساعة في جبال من السحب الداكنة، لتترك وراءها هالة من السراب والخيال…

وفتح "غوزك" عينيه، واستدار صوب أصدقائه، يريد أن يخبرهم بمشاعره وقلقه، ولكن نظرة واحدة في وجوه أصدقائه، وهي تطفح بالبشر والأمل،جعلته يعدل عما همّ به…، وهو يرجو في قرارة نفسه، ألا تجد هذه الأفكار السوداوية لها على أرض الواقع مكاناً…

وحدّق مرة أخرى في مآذن دمشق و مبانيها، وقد أخذت معالمها تتضح رويداً رويداً…، وتصوّر نفسه في دار الخلافة، أمام الخليفة العادل "عمر بن عبد العزيز"…، يتكلم بلسان أهل سمرقند قائلاً:

أيها الخليفة، إن قائد الفتوحات في بلاد ما وراء النهر، "قتيبة بن مسلم الباهلي"، قد فتح سمرقند غدراً، والغدر محرم في دينكم حسبما أعلم…، ولذلك فإن أهل سمرقند يطالبون بخروج الجيش الإسلامي من سمرقند، وإعادة حكمها للسمرقنديين…

وتصور الخليفة يسأله:

وكيف فتحها غدراً ؟

لقد كان بينه وبين أهل الصّغد سكان سمرقند معاهدة وصلحاً، ولكن قتيبة لم يرعَ لهذا الصلح حقاً…، حين فاجأنا بغزو سمرقند، وحاصرنا حصاراً شديداً، حتى نزلنا عند حكمه، فدفعنا الجزية، وتولى المسلمون حكم ديارنا …

وقبل أن يتصور "غوزك" ردة فعل الخليفة، تناهى إلى سمعه من بعيد صدى صوت "الله الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله"، ينطلق من مآذن دمشق، يعلن بدء وقت صلاة المغرب…

وأحس "غوزك" بالضيق، عندما تذكر أنه ربما لن يسمع هذا الأذان الذي طالما ارتاحت له نفسه، وألفه قلبه، مرة أخرى يتردد في سماء سمرقند…، فيما إذا وافق حكم الخليفة ما تصبو إليه نفسه ونفوس رفاقه في تحرير سمرقند…

وهزّ "غوزك" رأسه بشدة، وكأنه يطرد هذه الأفكار، التي يعتبرها وساوس شيطانية، عن عقله الحائر المضطرب…

واقترب وفد سمرقند من الباب الشرقي لدمشق، وارتفع صوت أحدهم، وهو يقول:

ها قد وصلنا دمشق، وأظن أن دار الخلافة لم تعد بعيدة عنا…

أجابه آخر:

أقترح أن نبدأ بالبحث عن مكان نأوي إليه بعد كل هذا التعب، قبل أن نفكر بدار الخلافة والخليفة.

وهتف آخر:

هذا صحيح …فنحن بأمسّ الحاجة إلى الراحة والطعام والاستحمام، بعد أيام من المسير المتواصل…، ويمكننا أن نقابل الخليفة غداً في الصباح الباكر…

وتعالت همهمة التسعة الباقين بالموافقة على هذا الاقتراح …

كان "غوزك" يتململ في فراشه طوال الليل…، بعد أن خاصم الكرى جفنيه…، كان يشعر بتوتر شديد عجيب، لم يشعر مثله قط قبل اليوم…

وأنّى له أن لا يصيبه التوتر ، والقضية مصيرية حسب رأيه ورأي أهل بلده…، وهو ممثل القوم أمام الخليفة، الذي سيتولى عرض هذه القضية، وبناء على عرضه سيكون ردّ  الخليفة…!!

ترى هل سيستطيع أن يقنع الخليفة بوجهة نظر السمرقنديين؟؟

وهل سيلقي الخليفة بالتحيّز والتعصّب لبني قومه وجنسه جانباً، وينصفهم في حكمه

المزيد


الإيدز دمر حياتي

كانون الثاني 14th, 2007 كتبها samar نشر في , قصص قصيرة

 

الإيدز دمّر حياتي
من المسؤول ؟!
أفاق هشام على وقع أقدام كالمطرقة تحفر في رأسه ، وصوت جلف يقول له :مصاب
ابن الكلب … الموت قليل عليك .
فتح عينيه ، ورفع رأسه بصعوبة ، في البداية لم يستطع تمييز شيء من شيء ، فقد كان الظلام دامساً ، وبعد برهة قليلة من الزمن ، بدأت عيناه تألفان الظلام .
المكان مخيف مريع ، قبو تحت الأرض لا تتجاوز مساحته 4 متر مربع ، لاينفذ إليه نور الشمس ، رائحته عفنة كريهة ، تجري الجرذان في ربوعه وتمرح . نظر إلى نفسه فإذا هو مكبّل بالقيود ، والدم يسيل من جبينه فيروي أرضاً لم يمس الماء جوانبها أعواماً طويلة .
بصعوبة بالغة استطاع هشام أن يتذكر ما جرى . صور كثيرة متشابكة تواردت على ذهنه المكدود قدومه للعمل إلى تلك البلد للعمل السيارة اللعينة التي صدمته نقل الدم ، الوهن الشديد الذي أصابه إثر خروجه من المشفى بعد علاج دام أكثر من شهر ، الأمراض المتعاقبة التي بدأت تغزو جسده المنهك ، التحليل النهائي الذي أجراه بعد شهور من العلاج العقيم ، النتيجة الفاجعة التي كادت تفتت قلبه وأحلامه ، والتي تعني الإصابة بمرض الإيدز الضابطان اللذان استدعاهما صاحب المخبر لضبطه في جريمة لم ترتكبها يداه ( جريمة الإصابة بمرض الإيدز) حيث اقتيد بعدها كالمجرمين إلى هذا المكان .
لبث هشام في سجنه تحت الأرض عامين كاملين  سنتان قضاهما لم ير فيهما وجه إنسان أبداً، كان فقط يسمع صوت الحارس وهو يشتمه ويلعنه ، حين يقدم له الطعام في صحن ورقي من كوة تحت الباب، حفرت من أجله هو ووضع لها باب صغير لايفتح إلا حين موعد الطعام .
في زاوية من الغرفة كان هنالك حنفية يقطر منها الماء قطرة قطرة ليلاً ونهاراً فقط ، ومن تجمع قطراتها كان هشام يشرب ويغتسل وفي زاوية أخرى كان يبول .
كانت الكوابيس وأحلام الظلام رفيقته في تلك الفترة العصيبة نادراً ما كان يحلم بأحلام سعيدة، كانت أحلام السوء تصور له العالم صوراً سوداء قاتمة كسواد غرفته وقتامتها ، الناس فيها صورهم صور البشر وقلوبهم قلوب الذئاب والوحوش ، لارحمة فيها ولا رأفة .
عزاؤه الوحيد كان إيمانه فهو رجل مؤمن بالله مؤمن بعدله ورحمته ومؤمن بقضائه وقدره خيره وشره .
وكان يعلم أنه مهما اشتدت الأزمات ، فلا بد أن ينبلج بعدها الليل عن صبح منير ، وأنه لابد بعد العسر من يسر، ربما يطول انتظاره وربما يقصر .
بعد سنتين من حبسه تحت الأرض أفرج عنه والمدهش في الموضوع السبب الذي قدمه الضابط بين يديه ليكون اعتذاراً عن السنتين اللتين اغتيلتا ظلماً وزوراً من حياته .
باش مهندس هشام ، نحن آسفون ، لقد كنا نظن أن مرض الإيدز مرض معد ينتقل عن طريق الهواء والملامسة، ولكن الأبحاث الحديثة بينت لنا خطأ ما كنا نظنه .
آسفون!!
رنّت هذه الكلمة في أذنه كدقات ناقوس الخطر يضرب بشدة حتى يكاد يصم أذنيه .
آسفون !!
أين تصرف هذه الكلمة ؟ وهل تعوضه هذه الكلمة عن كل مالاقاه من أهوال في السنتين الماضيتين .
أمرت حكومة البلد التي يعمل فيها بعودته إلى بلده على جناح السرعة ( ترحيل إجباري ) الشركة التي كان يعمل فيها أكلت حقوقه وسيعود إلى وطنه وفي جيبه 100 دولار فقط بعد خمس سنوات من الغربة والكربة .
صعد درج الطائرة ، توقف عند الدرجة الأخيرة ، والتفت إلى الوراء يحملق في أطلال تلك
المدينة ، نفض رأسه كما تنفض السجائر في المنفضة ، وكأنه يريد أن ينفض معها جميع مشاعر الحزن والأسى التي لاقاها هنا ثم خطا الخطوة المتبقية إلى الطائرة ، وخطا معها إلى أعتاب المجهول .
لم يكن هشام يخشى المرض الخطير الذي أصيب به ولا النتيجة الحتمية التي تنتظره فهو يعلم أن الأعمار بيد الله وحده وأن خوفه وجزعه لن يؤثر في تلك النتيجة شيئاً .
الشيء الوحيد الذي كان يخافه ويخشاه نبذ الناس له اتهامهم له بالرذيلة ووصمهم له بالعار
طوال الطريق كان يحدث نفسه ويمنيها بحياة جديدة سعيدة بين أهله وخلانه وأحبابه .
كان يفلح في ذلك أحياناً عندما يتذكر إخوته رؤوف و

المزيد


بوابة الآلام

كانون الثاني 14th, 2007 كتبها samar نشر في , قصص قصيرة

استيقظت أم حسن من نومها مذعورة، أمسكت ترقوتها بيدها الواهنة، ثم أجالت نظرها في أنحاء الغرفة وتمتمت:

بوابة الآلام

- الحمد لله إنه مجرد كابوس.
حاولت أن تنام مرة أخرى، لكنها لم تفلح ، مازالت صورة ذلك الكابوس تعشش في مخيلتها:
صاحب المنزل أبو مصعب يطرق عليها الباب بشدة، تفتح له الباب، فيمطرها بوابل من المسبّات والشتائم، يرفع يده في وجهها مهدداً، وقبل أن يدير لها ظهره، يقول لها بغضب وحقد:
- إن لم تتركي المنزل أنت وأولادك هدمته فوق رؤوسكم، أنتم وباء، أنتم مصدر الشرور والآثام.
نفس الصورة التي تحدث لها في الواقع كل يوم (قصة أبي مصعب وتهديداته)، كانت تزورها مرة أخرى في أحلامها، الشيء المختلف اليوم في حلمها، هو وقوفها في وجه أبي مصعب وتحدّيها له ودعاؤها عليه:
- أصابك الله بمثل ما أصابني به أنت وزوجتك وأولادك.
جنّ جنون أبي مصعب، وهرول ناحية أم حسن، وأمسك بتلابيب عنقها بكلتا يديه، أحست بروحها تكاد تزهق، ولم تعد تعي شيئاً مما هو حولها..
تساءلت أم حسن عندما أفاقت: أيمكن للحلم أن يصبح واقعاً؟ أتكون نهايتها فعلاً على يد أبي مصعب؟
تذكرت زوجها أبا حسن منذ أن تزوجته لم تشعر معه أبداً بالاستقرار أو السكينة، كان بحكم عمله ضابطاً على الحدود، يغيب عنها فترة الشتاء، ويعود إليها في فترة الصيف، تسع سنوات أمضتها معه على هذه الحال، كابدت فيها ما كابدت من مشاقّ الحياة، اضطرت أن تعمل مدرسة للغة الانكليزية لتساهم في سدّ حاجيات الأولاد ومتطلبات الحياة الكثيرة،ثلاثة أولاد أنجبتهم والحياة بينها وبين زوجها على هذه الحال، كانت العلاقة الزوجية بينهما علاقة روتينية جافة، ولم تكن تشعر تجاهه بالحب والشوق، ولكنها كانت تنتظر مجيئه من أجل الأولاد ومن أجل ردّ ألسنة المغرضين والمتقوّلين..
بعد تسع سنوات من الغربة عاد أبو حسن إلى بيته وزوجته وأولاده ليستقرّ بينهم صيفاً شتاءً، هيّأت أم حسن نفسها لتغيير ذلك الروتين السقيم بينها وبين زوجها، بدأت تتحبّب إليه، وبدأ هو يتجاوب معها، وبدأت الألفة والمحبة تجذب بين قلبيهما، عندها أدركت أم حسن معنى المثل القائل: بعيد عن العين بعيد عن القلب….
سنة مرّت تحسّنت فيها العلاقة بينهما تحسناً ملحوظاً، ولكن الأقدار ضنّت عليهما بالهناء، بدأت صحة أبي حسن تسوء بشكل رهيب، في البداية كان سعالاً قوياً متكرراً، لكنه بعد ذلك صار يلفظ قطع الدم مع السعال، أخبرهما الطبيب بعد فحوصات عديدة وتحاليل مخبرية بمرض أبي حسن سلّ + إيدز.
كان هذا الخبر صدمة حقيقية لأبي حسن وزوجته، خصوصاً عندما أخبرهما الطبيب بأن الحالة المرضية المتطورة عند أبي حسن تشير إلى أنه أصيب بفيروس الإيدز منذ سنوات طويلة، وأن هذا الفيروس هو السبب في إصابته بمرض السل، وأنه من المحتمل أن تكون عدوى الإيدز قد انتقلت إلى زوجته وأولاده ، وأن عليهم أن يجروا فحصاً مخبريّاً بأسرع وقت ممكن…
أيام مرت عليهم كسنوات، وحان موعد استلام نتيجة الفحص: سلمى ولبنى سليمتان والحمد لله، ولكن أم حسن وابنها حسن مصابان.
لم يستطع أبو حسن مقاومة الصدمة فوقع فريسة الحزن والمرض واليأس والندم، لم يعد النوم
يعرف إلى عينيه طريقاً، ونوبات السعال والدم الذي يصاحبها بدأت تزداد يوماً فيوماً.
لاتنسَ أم حسن الحديث الذي فاتحها به المشفى قبل يومين من وفاته، اعترف فيه بكل ما جنته يداه من آثام في السنوات التسع التي أمضاها بعيداً عنهم، السهرات الليلية المختلطة، المشروبات الكحولية، العلاقات الجنسية غير المشروعة.
ولا تنسى أبداً كلماته المختلطة بالدموع، وصوته اللاهث المتقطع:
- أرجوك يا سناء سامحيني اغفري لي…، وادعي الله أن يغفر لي.
أنا أحبك ياسناء.. كان هذا في الماضي فقط، ولكني منذ أن استقررت هنا، وتذوقت حلاوة الحلال، واستمتعت بدفء حبك وحنانك، تركت المعصية وتبت لله وندمت…
بعد يومين من هذا توفي أبو حسن وهو ما يزال في الأربعين من عمره، وترك خلفه ثلاثة أولاد، لبنى في التاسعة من عمرها، ورؤى في السادسة وحسن في الثالثة، وزوجة حسناء شابة في الثلاثين من عمرها، تركهم لمصير ربما تكون الكلاب في كثير من الأحيان أحسن حالاً منهم.
لا تعرف أم حسن كيف سرى خبر إصابة زوجها بالإيدز بين أهلهم ومعارفهم كانتشار النار في الهشيم، لم يشيع جنازته أحد، فق

المزيد