الدكتورة : لينة الحمصي
تكتنف قضية المرأة اليوم شعارات برّاقة , وأصوات مزيفة , تقودها دعوات هدامة , منساقة لنداءات الشيطان وأعوانه ….
أفكار متضاربة متناقضة , تتناطح كل يوم , عبر شاشات التلفاز والإذاعات , وفي النوادي والمجتمعات .., لكنها رغم تناقضها تجتمع حول محور واحد , ألا وهو هدم الإسلام والقضاء عليه , عن قصدٍ أو غير قصد …
فمن قائل يقول : إن المرأة لم تخلق إلا لتطيع زوجها , وتربّي أولادها , وتخدم بيتها , وأن ليس لها من بيتها خروج إلا مرتين , إحداهما من بيت أهلها إلى بيت زوجها , والثانية من بيت زوجها إلى مثواها الأخير , مستقلّة نعشاً يحملها , وهي تقول
يا قارئاً كتابي ترحّم على شبابي
بالأمس كنت بينكم واليوم تحت التراب
وهذه الفئة أناس متحجرون , وقد أعمى الجمود والانغلاق أعينهم عن رؤية الحق والحقيقة , فراحوا ينسبون إلى الإسلام ما هو منه براء , من تحجيم لدور المرأة , ومنع لتعليمها , وتغاضٍ عن رأيها , بحجة أنهن ناقصات عقل ودين , وهم يظنون أن لهم على ما يدّعون أدلة وبراهين , ويتذرعون بقول الله تعالى :( وقَرن في بيوتكن ولا تبرَّجن تبرج الجاهلية الأولى) - سورة الأحزاب الآية 33 -
وبالحديث الشريف الذي رواه سيدنا علي كرم الله وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي شيء خير للمرأة ؟ فسكتوا , فجئت فقلت لفاطمة : أي شيء خير للنساء ؟ قالت : ألّا يراهن الرجال . فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنما فاطمة بضعة مني – أخرجه البزار في مسنده : 2 / 160 -.
وفي مقابل هذه الجموع المنغلقة على جمودها , والتي رضيت بفهمها الأعوج لتلك الأحكام , وتطبيقها الأرعن لتلك المفاهيم , ظهرت في الاتجاه المعاكس مجموعة أخرى , راحت تنادي بالتحرر من هذه القيود حتى الانفلات , بحجة أن كل ما هو قديم تخلّف وانحطاط , وكل ما هو وليد القرن العشرين تحضر وارتقاء .
فأصبح الحجاب عندهم عائقاً يمنع المرأة من ممارسة دورها في المجتمع , وأصبح الالتفاف إلى أمور البيت والزوج والأولاد وأداً للمرأة وهي على قيد الحياة , أما التزام الأدب والاحترام في التعامل مع الأزواج , فأصبح عندهم ذلاً وعبودية , فما كان منهم إلا أن نادوا بملء أفواههم بالخروج عن تعاليم الإسلام التي بليت , ولم تعد – في رأيهم – صالحة لأبناء هذا القرن المتحضر , في عصر الذرة والإلكترون , فنادوا بالاختلاط الفوضوي , والسفور التحضري … وأوصلوا المجتمع بتفكيرهم الإنسلاخي التبعي إلى شفا جرف هاو ٍ , متخذين من المرأة الغربية مثلاً أعلى ونموذجاً يحتذى ….
ومن بين أدعياء هذا الرأي – وللأسف – فئة من أبناء المسلمين , يتزعمهم أحياناً أناس يلبسون لباس الإسلام , ويتسربلون بسرباله , ليعملوا يد الطعن والتخريب فيه , ليصلوا إلى ما لا يمكن لأعداء الإسلام أن يفعلوه , متذرعين بأنهم مسلمون واقعيون , يريدون للإسلام أن يتطور ليواكب متطلبات هذا العصر !!! .
والطامة الكبرى في هذا أن كثيراً من أبناء المسلمين وبناتهم السذّج قد استولت على عقولهم هذه الدعوات البراقة , فراحوا ينعقون بها كمن ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً …..
ولكأني بهؤلاء قد ألغوا عقولهم , وأصموا آذانهم , وأعموا أبصارهم عن رؤية حقيقة ما عليه المرأة في الإسلام , وما هي عليه في الغرب ، ناسين أو متناسين أن وسائل الإعلام المغرضة والموجهة قد صورت لهم بعض الزوايا الضيقة جداً من جماليات المرأة في الغرب , وأخفت عنهم الكثير من مآسيها ومخازيها ….
ولو أن هؤلاء الأدعياء وأذنابَهم من المسلمين , درسوا وضع المرأة في ظل الإسلام , بعد أن أزالوا عنها كل ما اعتراها من تشوه وتحريف لرأوا ما يبهر الأبصار , ويثلج الصدر , ولرثوا لحال المرأة الأوروبية , ولما كان أمامهم إلا أن يدعوها لتطبيق أحكام الإسلام , ففيها البلسم الشافي لجروحها وآلامها التي أدمتها حضارة القرن العشرين بماديتها القاتلة .
ولو علمت المرأة في الغرب ما للمرأة المسلمة من دور فعال في مجتمعها , وما لها من حقوق وواجبات لما توانت لحظة واحدة عن الانضواء تحت جنحها , لتنال بعضاً من حقوقها …
هذه الحقوق التي شملت المرأة الأم , والمرأة الزوجة , والمرأة البنت , تلك المرأة التي كانت مهيضة الجناح , ذليلة الكيان قبل الإسلام , فأتى الإسلام ليحوطها بكامل عنايته , وإذا ما ضاق الوقت عن إمكانية سرد تلك الحقوق الممنوحة للمرأة المسلمة , فإنه لن يضيق عن ذكر ما قامت به المرأة المسلمة من أدوار إيجابية في المجتمع الإسلامي , كانت نتيجة حتمية لتلك الحقوق التي منحها إياها الإسلام , من حقوق مدنية واجتماعية وسياسيّة , تلك الحقوق التي أرسيت على قاعدة هامة
المزيد