الإيدز دمر حياتي

كتبهاsamar ، في 14 كانون الثاني 2007 الساعة: 20:08 م

 

الإيدز دمّر حياتي
من المسؤول ؟!
أفاق هشام على وقع أقدام كالمطرقة تحفر في رأسه ، وصوت جلف يقول له :مصاب
ابن الكلب … الموت قليل عليك .
فتح عينيه ، ورفع رأسه بصعوبة ، في البداية لم يستطع تمييز شيء من شيء ، فقد كان الظلام دامساً ، وبعد برهة قليلة من الزمن ، بدأت عيناه تألفان الظلام .
المكان مخيف مريع ، قبو تحت الأرض لا تتجاوز مساحته 4 متر مربع ، لاينفذ إليه نور الشمس ، رائحته عفنة كريهة ، تجري الجرذان في ربوعه وتمرح . نظر إلى نفسه فإذا هو مكبّل بالقيود ، والدم يسيل من جبينه فيروي أرضاً لم يمس الماء جوانبها أعواماً طويلة .
بصعوبة بالغة استطاع هشام أن يتذكر ما جرى . صور كثيرة متشابكة تواردت على ذهنه المكدود قدومه للعمل إلى تلك البلد للعمل السيارة اللعينة التي صدمته نقل الدم ، الوهن الشديد الذي أصابه إثر خروجه من المشفى بعد علاج دام أكثر من شهر ، الأمراض المتعاقبة التي بدأت تغزو جسده المنهك ، التحليل النهائي الذي أجراه بعد شهور من العلاج العقيم ، النتيجة الفاجعة التي كادت تفتت قلبه وأحلامه ، والتي تعني الإصابة بمرض الإيدز الضابطان اللذان استدعاهما صاحب المخبر لضبطه في جريمة لم ترتكبها يداه ( جريمة الإصابة بمرض الإيدز) حيث اقتيد بعدها كالمجرمين إلى هذا المكان .
لبث هشام في سجنه تحت الأرض عامين كاملين  سنتان قضاهما لم ير فيهما وجه إنسان أبداً، كان فقط يسمع صوت الحارس وهو يشتمه ويلعنه ، حين يقدم له الطعام في صحن ورقي من كوة تحت الباب، حفرت من أجله هو ووضع لها باب صغير لايفتح إلا حين موعد الطعام .
في زاوية من الغرفة كان هنالك حنفية يقطر منها الماء قطرة قطرة ليلاً ونهاراً فقط ، ومن تجمع قطراتها كان هشام يشرب ويغتسل وفي زاوية أخرى كان يبول .
كانت الكوابيس وأحلام الظلام رفيقته في تلك الفترة العصيبة نادراً ما كان يحلم بأحلام سعيدة، كانت أحلام السوء تصور له العالم صوراً سوداء قاتمة كسواد غرفته وقتامتها ، الناس فيها صورهم صور البشر وقلوبهم قلوب الذئاب والوحوش ، لارحمة فيها ولا رأفة .
عزاؤه الوحيد كان إيمانه فهو رجل مؤمن بالله مؤمن بعدله ورحمته ومؤمن بقضائه وقدره خيره وشره .
وكان يعلم أنه مهما اشتدت الأزمات ، فلا بد أن ينبلج بعدها الليل عن صبح منير ، وأنه لابد بعد العسر من يسر، ربما يطول انتظاره وربما يقصر .
بعد سنتين من حبسه تحت الأرض أفرج عنه والمدهش في الموضوع السبب الذي قدمه الضابط بين يديه ليكون اعتذاراً عن السنتين اللتين اغتيلتا ظلماً وزوراً من حياته .
باش مهندس هشام ، نحن آسفون ، لقد كنا نظن أن مرض الإيدز مرض معد ينتقل عن طريق الهواء والملامسة، ولكن الأبحاث الحديثة بينت لنا خطأ ما كنا نظنه .
آسفون!!
رنّت هذه الكلمة في أذنه كدقات ناقوس الخطر يضرب بشدة حتى يكاد يصم أذنيه .
آسفون !!
أين تصرف هذه الكلمة ؟ وهل تعوضه هذه الكلمة عن كل مالاقاه من أهوال في السنتين الماضيتين .
أمرت حكومة البلد التي يعمل فيها بعودته إلى بلده على جناح السرعة ( ترحيل إجباري ) الشركة التي كان يعمل فيها أكلت حقوقه وسيعود إلى وطنه وفي جيبه 100 دولار فقط بعد خمس سنوات من الغربة والكربة .
صعد درج الطائرة ، توقف عند الدرجة الأخيرة ، والتفت إلى الوراء يحملق في أطلال تلك
المدينة ، نفض رأسه كما تنفض السجائر في المنفضة ، وكأنه يريد أن ينفض معها جميع مشاعر الحزن والأسى التي لاقاها هنا ثم خطا الخطوة المتبقية إلى الطائرة ، وخطا معها إلى أعتاب المجهول .
لم يكن هشام يخشى المرض الخطير الذي أصيب به ولا النتيجة الحتمية التي تنتظره فهو يعلم أن الأعمار بيد الله وحده وأن خوفه وجزعه لن يؤثر في تلك النتيجة شيئاً .
الشيء الوحيد الذي كان يخافه ويخشاه نبذ الناس له اتهامهم له بالرذيلة ووصمهم له بالعار
طوال الطريق كان يحدث نفسه ويمنيها بحياة جديدة سعيدة بين أهله وخلانه وأحبابه .
كان يفلح في ذلك أحياناً عندما يتذكر إخوته رؤوف وعبد المعين وليلى لاشك أنهم الآن ينتظرونه في صالة المطار ولاشك أيضاً أنهم في شوق إليه كما هو في شوق إليهم .
عندما وصل إلى باب المغادرة بدأ قلبه يرتجف كعصفور صغير بلله المطر وعصف به الهواء، ترى هل هم في انتظاره ؟
وجوه كثيرة لايعرفها كانت أول من صافحت عينيه ، بحث بين هذه الوجوه عن أحبته ، اكتشف بعد برهة قليلة من البحث أنهم لم يأتوا ..
غامت الدنيا أمام عينيه ، ولكنه تجلّد وتصبّر ، علّل لنفسه غيابهم بأنهم لم يستلموا برقيته التي أرسلها يعلن عن قدومه .
بعد محاولات يائسة للاجتماع بإخوته علم أنهم غاضبون عليه ، لأنه في نظرهم جلب لهم العار والفضيحة ، وخائفون منه أن ينقل إليهم العدوى …
شعر بقلبه يحترق حزناً وأسى وحنقاً وغيظاً ، وأحس باليأس يملأ ذرات كيانه …
لم يشعر بهذا الشعور حتى وهو في سجنه تحت الأرض ، ربما لأنه كان يعيش على أمل لقاء الأحبة وتفاعلهم معه ومساندتهم له .
أما الآن ، فلأيّ  شيء يعيش ؟ ومن أيّ أمل يرتوي ؟ وفي أيّ صدر حنون يرتمي ؟
آلاف الأفكار السوداوية بدأت تغزو عقله وروحه ، شلال من اليأس يسيطر عليه ، أسئلة كثيرة لم يجد لها جواباً:
- لماذا أصبت بالإيدز دوناً عن الناس كلهم ؟
أأبتلى به وأنا الطاهر العفيف الذي لم أفكر بالفاحشة يوماً من الأيام ، بينما يمارسها الكثيرون دون أن تنزل بهم العقوبة من الله ؟
أين عدالتك يا الله ، أين رحمتك يا رباه ؟
حادثة مؤلمة قصمت ظهره ، وقضت على آخر بصيص أمل متبقّ في لا وعيه ، كان ذلك عندما صعد إلى حافلة نقل ، وأراد أن يجلس في أحد المقاعد ، ولكن صوتاً غليظاً قاسياً ، راح يصرخ بحدّة :
- إنه مريض بالإيدز ، احذروا أن تنتقل إليكم العدوى …
نظر هشام تجاه مصدر الصوت ، فرأى صديقه علاء يرتجف من الخوف ويده تشير نحوه ، لم يعرف كيف نمى خبر إصابته إلى علاء ، ولم يحاول أن يعرف ، نزل من الحافلة وشعور بالحزن والخوف والحرمان واليأس يسيطر عليه ، ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، أحس بنفسه يضيق و يضيق ، ولم يعد يشعر بما حوله ، وسقط مغشياً عليه .
عندما أفاق وجد نفسه في المشفى ، وهناك أشرف على علاجه طبيب متخصص في معالجة مصابي الإيدز ، ولحسن حظه وجد في ابتسامة الطبيب وحديثه التشجيعي الأمل الواعد بالنسبة له ، لم يكن ذلك الطبيب ماهراً في علاج الأجساد فقط ، بل استطاع أيضاً أن ينسلّ بهدوء ورقة إلى قلب هشام وروحه ، ويستلّ منها الخيبة واليأس والغضب والحقد ، ويزرع بدلاً منها الأمل والطمأنينة والقوة والإرادة ، وبعد عدة حوارات جرت بينه وبين الطبيب ، عرف هشام ماهية المرض ، وطرق انتقاله ، وعرف أيضاً أن الدم الذي نقل إليه في المشفى جراء الحادث كان دماً ملوثاً بالإيدز وأنه سبب إصابته بهذا الفيروس اللعين .
كان للطبيب دور هام في تماثل هشام السريع للشفاء ، وخرج هشام من المشفى بصحبة الطبيب إلى مقر مجاني، تبرعت به جمعية مكافحة الإيدز للمصابين بالمرض ، الذين نبذهم ذووهم وأقاربهم .
وفي هذه الجمعية تعلّم هشام كيف يمكن لحامل فيروس الإيدز أن يعيش بصحة جيدة ، رغم إصابته بالفيروس ، وبدأ يأخذ الدواء في أوقاته ، ويعتني بتناول الأطعمة الجيدة المليئة بالفيتامينات ، كما تعلّم أيضاً كيف يكون شخصاً  إيجابياً في مجتمعه …
عندها شعر هشام أن العار لايكمن في إصابته بالمرض ، وإنما في استسلامه له …
سنتان من العمل الدؤوب والجادّ قضاهما هشام عضواً هاماً من أعضاء جمعية مكافحة الإيدز، يزور المصابين ، يساعدهم ، يشحذ هممهم ، يثقّفهم بماهية هذا المرض ، ويمدهم بالصبر والأمل ..
بعد هاتين السنتين قررت الحكومة عقد حفل تكريمي بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على تأسيس جمعية مكافحة الإيدز ، حيث يتم فيه تكريم عدد من المصابين بالإيدز الفاعلين في المجتمع ، والعاملين على مواجهة هذا الفيروس .
كانت الكلمة الأخيرة في هذا الحفل التكريمي لأحد مصابي الإيدز الناشطين في الجمعية .
وتقدم هشام من المنصة بجرأة وثبات لامثيل لهما ، وقف خلف المنصة ، وألقى خطبة بليغة خاطب فيها العقول والقلوب والأرواح ، ختمها بقوله :
نحن مصابو الإيدز ، نريد منكم الحب ، نريد أن تفتحوا لنا صدوركم ، نريد الكلمة الطيبة والفعل الطيب .
ضجت القاعة بالتصفيق ، وعلا نشيج بين الحاضرين بينما اكتفى بعضهم بدموع صامتة تجري على خدودهم ، وتغسل ما كان في قلوبهم من حقد وضيق وسخيمة …
الجميع متفاعل مع هشام ومع كل مصاب ، لم يكونوا يدركون من قبل أبعاد القضية ، استطاع هشام بصدقه وبلاغته وعفويته أن يوصل قضيته وقضية إخوانه المصابين إلى قلوب الحضور وعقولهم ، استطاع أن يغيّر نظراتهم ، واستطاع أيضاً أن يشعرهم بأنهم ممتحنون كذلك من قبل الله تعالى ، حين شفاهم وأصاب غيرهم ، وأن نجاحهم في الامتحان إنما هو باستخدام هذه النعمة في التفاعل مع المصابين ورحمتهم لا إدانتهم …
قبل أن ينزل هشام من المنصة اقترب منه أحد الوزراء ، وقدم إليه هدية قيمة باسم رئيس الجمهورية ، ومرة أخرى ضجت القاعة بالتصفيق ، ومن مكانه فوق المنصة ، استطاع هشام أن يلمح أخته ليلى ، كانت تصفق له تارة وهي تبكي ، وتلوّح له بيدها مرة أخرى ، تمنّى أن يعانقها ، أن يقبّلها ، ولكنها حولت وجهها وهي تكفكف دموعها ، وانطلقت خارجة من القاعة وهي تجري كالسهم ، أراد أن يركض خلفها ، أن يناديها لكنه اكتفى بحضورها وحماسها ، عربون اعتذار منها ، فهو يشعر بقلبه أنها تحبه ، وأنها لم تنسه ، ويشعر كذلك أن أخويه عبد الرؤوف وعبد المعين لم ينسياه أبداً ، وأنهما أيضا ً يحبانه ، ولكن الأعراف والعادات تكون أحيانا ً أقوى من المشاعر .
وهشام يعرف جيداً أن تغيير هذه العادات أمر ليس بالسهل أبدا ً ، وأنه الآن يشق حفرة في قناة هذا التغيير ، ربما تصبح مع المستقبل نهراً أو جدولاً …
من يدري ؟ ولكن الأمر بحاجة إلى الصبر ، والصبر مرّ المذاق ، ولكنه حلو العقبة والمآل .
 
الدكتورة لينه الحمصي
www.muslimatonline.com
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الإيدز دمر حياتي”

  1. لكي التحية والتجلي د/ لينه

    ونسأل الله للباشمندس هشام واخوانة العفو والعافية وان يشفيهم ويحمينا من هذا الداء اللعين

    وان لا يريكي مكروها في عزيز

    والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا علي كثير ممن خلق تفضيلا

    مع محبتي للجميع :

    مصطفي محمدعلي

    السودان - بورتسودان

  2. تشرفت بمرورك أخي الكريم.. وإن شاء الله لايرينا مكروهاً أبداً



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر